ذكرنا في المقال السابق ( تأثيرات التعبير الجيني ووظيفة البروتين في تحديد الصفات الظاهرية للكائنات الحية) ان البروتينات بأنواعها ووظائفها المختلفة تمثل المنتج الاخير للجينات وانها المسؤولة عن انعكاس الجينات وتعبيرها في الصفات الظاهرية والشكلية للكائن الحي. تتنوع هذه الصفات بين الخصائص الفيزيائية مثل الطول او لون العيون والصفات السلوكية والعُرضة للأمراض. كما اوضحنا ايضاً ان الصفات المظهرية لا تحدد فقط من قبل الجينات الوراثية حيث ان العوامل البيئية يمكن أن تؤثر أيضًا على تعبير الجينات وكيفية انعكاس الصفات في المظهر الخارجي.
من اهم المفاهيم التي يجب اخذ الاعتبار بها ان الشكل الظاهري لبعض الصفات يكون نتاج لثلاثة اشياء مجتمعة وهي: التركيب الوراثي، البيئة، والتفاعل بين البيئة والتركيب الوراثي.
من الجدير بالذكر هنا توضيح ان الصفات تتفاوت من حيث تأثرها بالبيئة. وهذا يقودنا للتوضيح اكثر عن الصفات نفسها وانواعها، بشكل عام يوجد نوعين من الصفات:
الصفات النوعية Qualitative traits
هي الصفات التي يمكن الاعتماد عليها في تقسيم الافراد لفئات واضحة حيث انها تعتبر محدودة او عديمة التأثر بالبيئة ولها نمط محدد واضح. في الغالب الصفات النوعية يتحكم فيها جين واحد، وجود هذا الجين من عدمه هو الذي يحدد ظهور هذه الصفة على الفرد من عدم ظهورها. على سبيل المثال، لون العيون ونوع الشعر وكثافته ولون البشرة. الصفات النوعية تُعرف بوضوح ولا تحتاج للقياس. مثلاً لون العيون يكون بني او ازرق، نوع الشعر املس (اسيوي) او مجعد (افريقي) لون البشرة (فاتح او داكن).
الصفات الكمية Quantitative traits
تعتبر معظم الصفات الفيزيائية الظاهرة صفات كمية. لا يكون هنالك تقسيم واضح بين الافراد على اساسها حيث انها تُظهر تباين مستمر وتفاوت بين الافراد ويمكن قياسها بدقة وتحديدها برقم. مثل الطول والوزن. هذا النوع من الصفات شديد التأثر بالبيئة مثل عوامل المناخ والتغذية والحالة النفسية. الصفات الكمية تتحكم فيها عدة جينات بمستويات مختلفة وتعتبر صفات معقدة مقارنة بالصفات النوعية وتتداخل الصفات الكمية بشكل ملحوظ مع البيئة المحيطة. كما ذكرنا ان عدد كبير من الجينات يتحكم في الصفة الكمية ، ولكن يكون تأثير كل جين طفيف، وتأثير جميع الجينات بشكل تراكمي وتداخلي مع البيئة هو الذي يحدد الصفة الكمية.
من اهم الأمثلة لدراسة تأثيرالبيئة على الصفات هي دراسات التوائم المتطابقة حيث ان التركيب الوراثي يكون متطابق وبالتالي منطقياً سيكون الشكل الظاهري متطابق ايضاً ولكن بعد تنشئة اي فرد من التوأم في بيئة مختلفة تماماً عن الآخر واسلوب حياة وتغذية مختلفين كان واضحاً جداً التفاوت المثير للاهتمام ف كثير من الصفات التي تتأثر كثيراً بالبيئة (الصفات الكمية) وتطابق الصفات النوعية التي لا تتأثر بالبيئة.
ومن الأمثلة الشائعة والمهمة ايضاً هي تأثر نمو الفرد وطول قامته بالتغذية. اذا تمعنت في بعض المناطق من العالم التي شهدت كوارث انسانية مثل الحروب والمجاعات والجفاف ستجد الكثير ممن يعانون من قصر القامة او صغر الحجم العام للجسم ليس لأنهم لا يحملون جينات الطول او الضخامة في تركيبتهم الوراثية ولكن لأن هذه الصفة تتأثر كثيراً ببيئة الفرد.
قد يكون هذا الفرد القصير القامة – رغم حمله لجينات الطول في تركيبته الوراثية او من المحتمل ان يكون من قبيلة مشهورة بطول قامة افرادها- قد مرت عليه فترة سوء تغذية حاد في مرحلة حرجة من مراحل نموه.
تمثل دراسة الصفات الكمية جزءًا هامًا في البحوث العلمية لأنها تمهد الطريق لفهم أعمق للوراثة والتفاعلات الجينية والبيئية.
