: د.محمد يوسف قباني 

الدور الفاعل للتعليم .. خط الدفاع الفكري الأول في المجتمعات

كنت اتسأل عن دور التعليم والتربية فيما يحدث في بلادنا وكل العالم. أين هي معينات التعليم والتربية بصورة علمية مؤسسية والتي تستطيع أن ترفد ما يحدث للمجتمع والإنسان بأجياله الأربعة (جيل الطفل، جيل الشباب، جيل الرجل، جيل المشيب) ذكراً وانثى، وعلى وجه الخصوص لجيل الأطفال وجيل الشباب من نتائج الحروب والأزمات والكساد الاقتصادي والفقر وتردي الأوضاع المعيشية والعيش كضحية، وحتى الأثار والمالات النفسية لذلك، ورصيد تجاربنا السابقة، أو أي تجارب مماثلة أو حتى قريبة لما يحدث الآن. وحتى أكون موضوعياً لا أنوي وضع اللوم على سياساتنا التعليمية، ولا على أسلوب التربية في البيت أو الشارع. وهل هناك ما يساعد في ردم الفجوة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بحكمة لتحسين مخرجات العملية التعليمية والتربوية لكل أعمار الإنسان. فقررت أن أسهم بيراعي مسطرا بالكلمة والحكمة ومستشعرا للمسؤولية تجاه أطفالنا فلذات الأكباد مستقبلنا الواعد، وشبابنا مستقبل الغد المشرق. ما المطلوب تقديمه في هذه الظروف العصيبة، وكيف سيتصدى أطفالنا وشبابنا بمرونة وتفهم لما يحدث. وقد كنت اشعر بالتشتيت، وعن ماذا أكتب بالنسبة لخبراتي في السلام التعليمي بجامعة أمدرمان الأهلية وبالجامعات الليبية، ففي السودان كنت محظوظا، فكانت الدكتورة شادية أحمد شرفي – رئيس قسم اللغة الإنجليزية حينها (٢٠٠٥ -٢٠١٥م)  – دافعا ومحفزا لكل ما ايقنت به أنه صائب ومواكب. فدعمت بعقلها الصائب وبمالها كل المبادرات مثل: بناء السلام عبر التعليم، وتطوير مهارات المناظرة الإنجليزية، ومهارات التعلم والتوجه الذاتي، ربط التعليم بالأهداف الحياتية للمتعلم، تنمية قدرات وشغف التعلم المستمر غير النظامي (أي مواصلة العملية التعلمية في البيت والمواصلات وكل مكان)، وأخريات كثيرة لا يسمح الوقت لذكرها. وعلى نفس المنوال كنت اتسأل عن غياب المهارات الحياتية وبناء السلام وفض النزاعات، وأدب الاختلاف، وقبول الآخر المختلف، والتعايش، وعدم العنف، والكلمة الطبية المؤثرة، ونبذ خطاب العنف والكراهية بخطاب السلم والمحبة، والسمو والارتقاء الفكري بقدرات طلابنا وطالباتنا، واحترام عقلياتهم وزمنهم (الفارق الزمني كبير ويحتاج منا لوقفة) وما صَاحَبهُ من تحول رقمي وذكاءات متعددة، ومقدرات عقلية لمعالجة المعارف والاستفادة منها بصورة غير متوقعة، ولا سيما مهارات العمل والتوظيف والإعداد المبكر للشباب/ الشابة الخريجة لمهارات التوظيف في ظل ظروف الكساد العالمي والحروب الإقليمية وغيرها من التحديات عن أهداف وسياساتنا التعليمية؟

فجال في فكري أنه دوماً هناك بارقة أمل ونافذة ضوء عن ما يمكن أن يلعبه التعليم والتربية والتدريب التنموي والاهتمام من تأثير كبير على جِيلَيّ الشباب والأطفال. وبنظرة عقلانية للواقع الأليم، رأيت أننا كَمُرَبِيّن ومُعَلِميّن وأساتذة ومُدَربِين ومُحَفِزين وخبراء التنمية الإنسانية وغيرها من تخصصات عُلَمائنا الأجلاء يمكن أن نشارك ولو بصورة غير رسمية، وبعيداً عن وضع اللوم على السياسات التعلمية أو على أي أحد. فقررت أن أقوم بمسؤوليتي تجاه ما يحدث مستفيداً وناقلاً لكل ما تجود وجادت به علوم الإنسان الغزيرة في كل مكان لتوظيفها واختصارها بصورة هادفة وجاذبة للإسهام في رفعة ومنعة ونجاح أطفالنا وشبابنا في مجتمعاتنا الممزقة بالنزوح والجوع والقلة والقلق واليأس والخوف وانسداد الأفق.

فكانت البداية بإذن الله، فقررت الكتابة والتركيز والعمل على المهارات الحياتية للأطفال والشباب، والبحث عن قصص نجاح للشباب أثناء الأزمات والحروب للتعلم منها ونقلها للمجتمعات، فركزت على المهارات الحياتية للشباب وبالتحديد في هذه الظروف؟ وخصوصاً مهارة الإبداع والابتكار والتعامل مع الضغوط والمشقة، القدرة على التكيف، والتعامل مع عنصر المفاجأة، وذكاء الشَدَائد، والتفكير بإيجابية والاستفادة من الدعم المجتمعي، وهكذا. فدارت في رأسي أسئلة كثيرة مثل: هل للشباب دور تنموي في ظل ظروف الحروب والنزوح أكثر من مرة والأزمات والكساد الاقتصادي؟ ما هي العوامل الإدارية والتنموية التي يحتاجها الشاب/الشابة اثناء الحروب والأزمات ووجب علينا اكسابها لهم، ماهي المهارات المطلوبة للشباب لسوق العمل في ظل الظروف الراهنة، ما هي الدورات التدريبية التنموية التي يُنصح بها للشباب في هذه الأيام وهذه الظروف، مع مرونة إقامتها في ظل عدم توفر أي أساسيات؟

أسئلة كثيرة كانت تقلقني، ولقد أحسست بالتقصير تجاه جيل الطفل وجيل الشباب، إذا كان يُعول علينا وعلى التربية والتعليم أن تكون خط الدفاع الفكري الأول والمسالم في التصدي الناعم والمرن، تصدي فكري متصالح مسؤول لا يلقي اللوم على الأخرين، لا يجيد التشكي، بل يبرع في إيجاد الحلول لكل التحديات، تصدي لا ينتصر لنفسه، بل للقضايا الراهنة المؤلمة بل يتفهمها حتي يُسهم مع من قبله من المجتهدين في تذليلها، وتحويلها transformation والعبور بها حتى تكون دروسا وتقوية لعضلات قدراتنا العقلية والاجتماعية والوجدانية للعمل بحب لخدمة الإنسان لا شيء غير الإنسان وبيئته المحيطة. ومن ضمن هذه الأسئلة: ما هي مهارة الالتزام والاستمرارية والقدرة على التعليم المستمر للشباب؟.

فكانت إجابة نتيجة هذه التساؤلات، أنه لابد من تعزيز التدريب التنموي لجيل الأطفال ولجيل الشباب على وجه التحديد، وذلك للعمل على مهارة التفوق الشخصي للشباب؟ والتفكير الجاد عن النتائج المحتملة التدريب وبناء القدرات أثناء الحروب والأزمات. وقد بدأت بعون الله وتوفيقه لأسطر ذلك في مقالات تحمل مضامين هذه المقدمة بشكل مختصر يسهل على القارئ الحصيف قرأتها والاستفادة منها إن شاء الله.

أما لجيل الطفل، فلقد كنت قبل حرب (ابريل ٢٠٢٣) أخطط عن كيف نعلم الطفل البحث العلمي من سن مبكرة، وما هي أساسيات البحث العلمي المفترض أن يتعلمها الطفل في سن مبكرة ؟ والتمارين التي تساعد لتعليم الأطفال إجراء البحوث، ما هو العمر الأنسب لتعليم الطفل أساسيات البحث العلمي ؟ كيف نعزز اهتمام الطفل في سن مبكرة للاهتمام بالبحث العلمي؟ وعن أنشطة لتعليم الأطفال إجراء البحوث بصورة مبسطة، وعن اسباب ودواعي تعليم الاطفال كتابة البحوث العلمية، لكن لكل مقام مقال، فالوضع الحالي يحتاج لمتطلبات غير تلك، تكون أكثر تعرضا لما يحدث، ومرنة، ولها القدرة على امتصاص الصدمات والأزمات والانهيارات النفسية، وما ذاك إلا لتعليم جيل الأطفال كيف يستفيد ويستغل قدراته الكامنة والتجارب الثرة للوالدين والأهل لحياة أفضل وسط جحيم وويلات الحروب والأزمات.

فكانت المشاركات الجديدة عن ما المقصود بمهارات التحمل والصبر الجميل والتأقلم للأطفال اثناء الحروب، وكيف نعزز هذه المهارات، وعن أنشطة مساعدة وتعليم الأطفال مهارات إدارة الضغوط والتوتر، وذلك بتعليمهم تقنيات التنفس العميق والتأمل والرياضة وعن أنشطة تشجيع الأطفال على التحدث عن مشاعرهم ومخاوفهم، وتقديم الدعم العاطفي لهم، حتى يشعروا بالأمان والراحة، وعن آليات تحفيز الأطفال على المشاركة في أنشطة تعزز قدراتهم على التحمل والصبر، مثل الرياضة والفنون والأنشطة الخيرية. وعن أنشطة تعليم الأطفال مهارات التفكير الإيجابي والتفاؤل، وذلك بتشجيعهم على البحث عن الجوانب الإيجابية في المواقف الصعبة، وتذكيرهم بأن كل تحدي أو مشكلة لها حل، وعن أنشطة تعليم الأطفال مهارات التخطيط والتنظيم، وذلك بتحديد الأهداف ووضع خطط لتحقيقها، وتعليمهم كيفية التعامل مع التحديات والعراقيل التي قد تواجههم في طريقهم. بالإضافة إلى أنشطة تشجيع الأطفال على الاستماع للآخرين وتقدير وجهات نظرهم، حتى يتمكنوا من التعامل بشكل فعال مع الآخرين في جميع الظروف. وكيف نحافظ ونعزز الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال أثناء الأزمات والحروب عبر دعمهم بأنشطة لتعزيز قدراتهم النفسية اثناء الحروب، وهكذا. وللحديث بقية وشغف لا ينتهي!

 

 

error: Content is protected !!
Skip to content